|
الصديق العزيز ابراهيم نصر الله انتهيت من قراءة روايتك "قناديل ملك الجليل"، وهي رواية ملحمية عصيّة على التلخيص، ليس لأنّ صفحاتها تجاوزت الخمسمائة وخمسين صفحة، وإنما لما فيها من تفاصيل كثيرة ممتعة، ومن تشابك في الأحداث والوقائع والحروب، بحيث يصبح أي تلخيص لها مخلاً بجماليات السرد فيها، ومنتقصًا من منظومة القيم التي حفلت بها، كاشفة من جهة عن النبل والاستقامة وتفتّح العقل والتسامح والحب والوفاء، ومن جهة أخرى عن الغدر والخسّة والخيانة وانعدام الوفاء. ولقد كنت بارعًا في لملمة خيوط روايتك الكثيرة الموزّعة على عدد من البلدان والمدن والقرى، وعلى كثير من الشخصيات التي حفلت بها الرواية من رجال ونساء. وكنت الخبير في السرد الروائي، حيث الإيقاع السريع، وحيث استثمار المشهد السينمائي في كثير من صفحات الرواية، واللقطة السينمائية الخاطفة حينما يكون ذلك ضروريًا، خصوصًا وأنت ترصد تلك الحروب التي لا تكاد أن تنتهي حرب منها حتى تبدأ الحرب الثانية. وفي غمار هذه الحروب، ما اعتبر منها حروبًا عادلة وما اعتبر حروبًا عدوانية ظالمة، تتبدّى طبائع البشر وتتكشّف مواقفهم ويتم اختبار معادنهم، وتذهب المصالح بهم كلّ مذهب، ونجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام ما تشتمل عليه الحياة من حبّ ومتع وملذّات وكذلك من فجائع ومنغّصات ومفارقات. ولعلّ إنجازك لروايتك هذه عن حياة ظاهر العمر الزيداني، هذا البطل الذي عاش في الواقع قبل أن يحيا من جديد على صفحات الرواية، لعلّ إنجازك للرواية وتسليطك الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ فلسطين ومن تاريخ أهلها في القرن الثامن عشر، أن يكون مغامرة إبداعية متميزة بحق. ذلك أن عناصر البطولة في حياة هذا البطل القائد، واشتباكها مع عناصر المأساة التي جعلت أبناءه وأقرب المقرّبين إليه يغدرون به ويتنكّرون له، جديرة بأن تكتب عنها وتقدّمها فنًّا راقيًا متميزًا يمثل إضافة نوعية للرواية العربية، وحجّة على من يعبثون بتاريخ فلسطين، ويتنكّرون لوجود الشعب الفلسطيني ولحقه في الحياة وفي السيادة على أرضه ووطنه. إنّ ما اشتملت عليه الرواية من شخصيات واقعية منتزعة من الواقع الفعلي، وما اشتملت عليه من شخصيات متخيّلة جسدتها باقتدار، تجعل الرواية ملحمية بحق، وتجعلها عملاً فنيًا إبداعيًا بامتياز. ورغم النهاية المأساوية التي انتهى إليها ظاهر العمر، وانتهت إليها كذلك الحقبة التي صنعها في فلسطين، متمثّلة في تجسيد أول كيان سياسي على هذه الأرض، تتحقق فيه السيادة ويتحقق فيه العدل الاجتماعي والأمن والأمان، فإن مجرّد التذكير بهذه التجربة واستعادة تفاصيلها، يسهم في إغناء الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ويكرّس الإصرار على تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، وعلى بناء الدولة الوطنية التي تصون كرامة الناس وتحقّق لهم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. إن الدلالة المتمثّلة في بقاء الأم المباركة نجمة بعد كل تلك المآسى وذلك الغدر، لهي مؤشر على أن القيم النبيلة لن تفنى مهما ساءت الأوضاع وتكاثر الأعداء، وأنّ ما اختطّه ظاهر العمر وأمّه نجمة من إصرار على الاستقامة وعلى خدمة الناس، سيظلّ يلهم المناضلين من أجل الحرية إلى أن تتحقّق لهم الحرية ويتحقّق لهم العدل والسلام. دمت مبدعًا كبيرًا ولك التقدير والاحترام. محمود شقير
|